السيد محمدحسين الطباطبائي
52
الإعجاز والتحدى في القرآن الكريم
نزل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نجوما وعلى مكث في مدة ثلاث وعشرين سنة - مجموع مدة الدعوة - وهذا جواب مأخوذ من الروايات التي سننقل بعضها في البحث عن الروايات . وقد أورد عليه : بأن تعقيب قوله تعالى : أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ بقوله : هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ « 1 » ، لا يساعد على ذلك إذ لا معنى لبقائه على وصف الهداية والفرقان في السماء مدة سنين . وأجيب : بأن كونه هاديا من شأنه أن يهدي من يحتاج إلى هدايته من الضلال ، وفارقا إذا التبس حق بباطل لا ينافي بقاءه مدة على حال الشأنية من غير فعلية التأثير حتى يحل أجله ويحين حينه ، ولهذا نظائر وأمثال في القوانين المدنية المنتظمة التي كلما حان حين مادة من موادها أجريت وخرجت من القوة إلى الفعل . والحقّ أن حكم القوانين والدساتير غير حكم الخطابات التي لا يستقيم أن تتقدم على مقام التخاطب ولو زمانا يسيرا ، وفي القرآن آيات كثيرة من هذا القبيل كقوله تعالى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما « 2 » ، وقوله تعالى : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً « 3 » ، وقوله تعالى : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا « 4 » على أن في القرآن ناسخا ومنسوخا ، ولا معنى لاجتماعهما في زمان بحسب النزول . وربما أجيب عن الإشكال : أن المراد من نزول القرآن في شهر رمضان أن أول ما نزل منه نزل فيه ، ويرد عليه : أن المشهور عندهم أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إنما بعث بالقرآن ، وقد بعث اليوم السابع العشرين من شهر رجب وبينه وبين رمضان أكثر من ثلاثين يوما وكيف تخلو البعثة في هذه المدة من نزول القرآن ، على أن أول سورة اقرأ باسم ربك ، يشهد على أنها أول سورة
--> ( 1 ) البقرة - 185 . ( 2 ) المجادلة - 1 . ( 3 ) الجمعة - 11 . ( 4 ) الأحزاب - 23 .